الرقم الهيدروجيني (pH): مقياس الحموضة والقاعدية وتأثيره المحوري على بيولوجيا الفطريات
الرقم الهيدروجيني (pH) هو مقياس لوغاريتمي يستخدم لتقييم تركيز أيونات الهيدروجين () في محلول مائي، وهو المقياس المعياري لتحديد مدى حموضة أو قاعدية المحلول. يتراوح هذا المقياس من 0 إلى 14.
- المحلول المتعادل: تكون القيمة 7، كما هو الحال في الماء النقي (على سبيل المثال).
- المحلول الحمضي (Acidic): يكون الرقم الهيدروجيني أقل من 7. كلما انخفضت القيمة (مقتربة من 0)، زادت حموضة المحلول (مثال: الليمون بقيمة pH بين 2 و 3).
- المحلول القاعدي (Alkaline/Basic): يكون الرقم الهيدروجيني أكبر من 7. كلما ارتفعت القيمة (مقتربة من 14)، زادت قاعدية المحلول (مثال: الأمونيا بقيمة pH بين 11 و 12).
1. تفضيل الفطريات للبيئة الحمضية:
يلعب الرقم الهيدروجيني دوراً حاسماً ومحورياً في تحديد مدى صلاحية البيئة لنمو الفطريات. بشكل عام، تفضل الفطريات النمو في بيئة حمضية قليلاً، حيث يتراوح الرقم الهيدروجيني المثالي لنمو غالبية الأنواع بين 5.5 و 6.5.
2. التأثيرات الحيوية للرقم الهيدروجيني على الفطريات:
يؤثر التغير في قيمة pH على الوظائف الفطرية الأساسية بثلاث طرق رئيسية:
أ. امتصاص العناصر الغذائية (Nutrient Uptake):
تؤثر قيمة pH بشكل مباشر على قدرة الفطريات على الحصول على غذائها من البيئة:
- في البيئة الحمضية قليلاً: تكون معظم العناصر الغذائية، وخاصة المعادن، أكثر قابلية للذوبان في الوسط المائي. هذا يزيد من توافرها ويسهل على الفطريات امتصاصها عبر أغشيتها الخلوية، مما يدعم نموها.
- في البيئة القلوية: تصبح العديد من العناصر الغذائية أقل قابلية للذوبان (ترسيب)، مما يقلل من توافرها البيولوجي وقد يعيق نمو الفطريات بشكل كبير.
ب. نشاط ووظيفة الإنزيمات (Enzyme Activity):
تعتمد الفطريات بشكل كلي على الإنزيمات للقيام بجميع الوظائف الحيوية الأساسية، مثل الهضم الخارجي (تحليل المواد المعقدة)، والتنفس، والتكاثر.
- المدى الأمثل للإنزيم: تعمل الإنزيمات بكفاءة قصوى ضمن نطاق محدد جداً من قيم الرقم الهيدروجيني (الرقم الهيدروجيني الأمثل).
- الخلل الوظيفي: إذا كان الرقم الهيدروجيني للبيئة خارج هذا النطاق الضيق، يحدث تغير في شكل الإنزيم (Denaturation)، مما يجعله غير فعال أو معطلاً تماماً. هذا يؤدي بالضرورة إلى إعاقة العمليات الأيضية وتوقف نمو الفطريات.
ج. استقرار بنية الخلية (Cell Structure Stability):
تؤثر قيمة pH على السلامة الهيكلية لجدران وأغشية الخلايا الفطرية:
- في البيئة الحمضية قليلاً: تكون جدران الخلايا الفطرية أكثر استقراراً ومتانة، مما يسمح للفطريات بالنمو بشكل فعال.
- في البيئة القلوية (القاعدية): تصبح جدران الخلايا أقل استقراراً وأكثر هشاشة، مما قد يجعل الفطريات أكثر عرضة للتلف الخلوي والتحلل.
3. التباين حسب النوع (Specific Variability):
من الضروري الإشارة إلى أن تأثير الرقم الهيدروجيني يختلف باختلاف النوع الفطري. فالفطريات تمتلك آليات تكيفية واسعة:
- الخميرة (Yeast Fungi): تفضل بيئة أكثر حمضية، حيث يتراوح pH المثالي لها بين 4.5 و 5.5.
- فطر عيش الغراب (Mushrooms): ينمو بشكل أفضل في بيئة حمضية قليلاً، ويتراوح pH المثالي له بين 5.5 و 6.5.
- فطر الرشاشيات (Aspergillus Fungi): يتميز بقدرته على التكيف في نطاق واسع جداً من قيم الرقم الهيدروجيني، حيث ينمو بشكل جيد بين 4.0 و 8.0.
خلاصة: يُعدّ الرقم الهيدروجيني أحد المحددات الرئيسية لنجاح نمو الفطريات. لضمان أفضل نمو واستزراع لنوع معين من الفطريات، من الضروري تحديد وتوفير الرقم الهيدروجيني الأمثل الذي يدعم كفاءة الإنزيمات واستقرار بنية الخلية وزيادة ذوبانية العناصر الغذائية.
