الحكم الشرعي للتدخين: رؤية متكاملة في ضوء الأدلة والمستجدات الطبية
يُعد موضوع التدخين وحكمه الشرعي من المسائل المستجدة التي لم تكن معروفة في صدر الإسلام، وتحديداً في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الأئمة الأربعة المجتهدين أصحاب المذاهب الفقهية المتبوعة. ولهذا السبب، لم يرد ذكر حكم مباشر للتدخين في نصوص القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة، وكذلك لم يُدون بشأنه حكم فقهي صريح عند الأئمة المؤسسين.
ومع ذلك، فإن هذا الغياب النصي المباشر لا يعني أن التدخين خارج نطاق أحكام الشريعة الإلهية، فقد أثبت الخالق جل وعلا في كتابه العزيز أن الشريعة شاملة وكاملة، كما في قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 38]. انطلاقاً من هذا المبدأ القرآني، بادر علماء الشريعة عبر العصور إلى استنباط الحكم الشرعي للتدخين فور ظهوره وانتشاره، وذلك بالاعتماد على القواعد العامة والمقاصد الكلية للشريعة.
التحول في الحكم بناءً على ثبوت الضرر:
في البدايات، اختلف العلماء حول حكم التدخين؛ وكان سبب هذا الاختلاف هو عدم وضوح وثبوت ضرر التبغ على صحة الإنسان في المراحل الأولى لاكتشافه وانتشاره. لكن مع التقدم العلمي وتراكم الأبحاث الطبية، ظهرت أضراره الخطيرة على صحة الإنسان بشكل قاطع، حتى أن منظمة الصحة العالمية اعتبرته "وباء العصر" نظراً لارتفاع معدلات الوفيات والأمراض المرتبطة به، حيث يقتل سنوياً ملايين الأشخاص حول العالم.
بناءً على هذا الثبوت القطعي للضرر الصحي، أجمع جمهور العلماء المعاصرين وفقهاء العصر على حرمة التدخين، ومن أبرز المؤسسات والهيئات الفقهية التي أصدرت الفتوى بتحريمه: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية.
إن الإعلان عن حكم التحريم القائم على أدلة شرعية قوية ومستند إلى ثبوت الضرر الطبي له أثران مهمان في المجتمع:
- مساعدة المدخنين على الإقلاع عنه بوازع ديني، إذ أن الامتناع عن المحرم عبادة.
- منع الآخرين الذين لم يجربوه من الإقدام على استخدامه والوقوع في ضرره.
أدلة تحريم التدخين في الشريعة
تستند فتاوى التحريم إلى جملة من الأدلة الشرعية القوية التي تتوافق مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والمال.
1. الضرر الصحي المحقق: حفظ النفس من الهلاك
أجمع علماء الطب على أن التدخين ضار بالصحة ضرراً ذاتياً محققاً. فنبات التبغ يحتوي على مواد سامة وفتّاكة، وقد نفى الأطباء وجود أي منفعة صحية له. ويتسبب التدخين في العديد من الأمراض الخطيرة والمزمنة التي تؤدي في كثير من الحالات إلى الوفاة المبكرة.
هذا الضرر المحقق يخالف الأصول الشرعية التالية:
- تحريم الخبائث: قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: 157]. والتدخين يعد خبيثاً لما فيه من ضرر بالغ على البدن ورائحة كريهة.
- تحريم قتل النفس والتهلكة:
- قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29].
- وقال تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195].
- وثبوت الضرر المؤدي إلى الهلاك يجعل التدخين سبباً في القتل التدريجي للنفس.
- قاعدة "لا ضرر ولا ضرار": قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه أحمد]. فكل ما يلحق الضرر بالنفس يحرم شرعاً.
- تحريم تحسي السم: قال صلى الله عليه وسلم: «مَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ، خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا» [متفق عليه]. وبما أن التبغ يحوي سموماً فتاكة، فهو يدخل في هذا الوعيد.
بناءً على ذلك، اتفق العلماء على القاعدة الفقهية: "الأصل في المضار الحرمة".
2. التسبب بالفتور في الجسم:
من صفات التبغ أنه يسبب نوعاً من الفتور أو الخمول في الجسم لدى بعض متعاطيه. وهذا يخالف ما ورد في السنة النبوية، حيث نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل ما يذهب العقل ويضعف البدن، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر» [رواه أحمد].
3. إيذاء الناس والملائكة بالروائح الكريهة:
التدخين يجعل رائحة الفم كريهة ومنفرة، وهذا يؤذي الآخرين من البشر كما يؤذي الملائكة، الذين يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم.
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره» [البخاري].
- وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس» [متفق عليه].
- وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل الثوم والبصل عن قربان المسجد صيانةً للمصلين والملائكة من الرائحة، فالتدخين أولى بالمنع من ذلك.
4. التبذير وإضاعة المال:
يُعرّف التبذير بأنه إنفاق المال في غير محله أو بلا فائدة. والتدخين هو أسوأ أنواع التبذير لأنه إضاعة للمال في المضرة المحضة لا في المنفعة. وقد نهى الله عز وجل عن التبذير وجعل المبذرين إخوان الشياطين: قال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) [الإسراء: 26-27].
يؤدي التدخين إلى إهدار مئات الملايين من الدولارات سنوياً، ويزيد من الأعباء المالية على الفرد والمجتمع في غير نفع. والمسلم مسؤول عن ماله يوم القيامة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع... وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه...» [رواه الترمذي والبيهقي]. إن إنفاق المال في ما يضر يعد مسؤولية عظيمة.
حالات تزيد فيها حرمة التدخين:
تزداد حرمة التدخين وتأكيده في حالات معينة، منها:
- ثبوت الضرر الشخصي: إذا أكد طبيب ثقة أن التدخين يمثل ضرراً بالغاً ومباشراً على صحة شخص بعينه، أو إذا شعر الشخص بنفسه بهذا الضرر.
- الحاجة المالية: إذا كان المدخن محتاجاً للمال لنفقته الأساسية، أو نفقة عياله ومن تجب عليه نفقته شرعاً، فإن إنفاق المال على التدخين يكون إثماً مضاعفاً.
- موت المسلمين جوعاً: في حال انتشار المجاعة وموت الملايين من المسلمين، يكون إنفاق الأموال الطائلة على التدخين بدلاً من توجيهها للإغاثة عملاً منكراً.
- دعم الأعداء: إذا كان الدخان مستورداً من بلاد تعادي المسلمين، وذهب ثمنه لتقوية تلك الجهات على المسلمين، فيكون في ذلك إعانة على الإثم.
- الأمر الشرعي لولي الأمر: إذا أصدر ولي الأمر الشرعي (الحاكم) أمراً بمنع التدخين في بلده، فإن طاعته واجبة شرعاً في غير معصية.
- القدوة الحسنة: إذا كان المدخن شخصاً يُقتدى به في علمه ودينه، كعلماء الدين والأطباء، فإن تدخينه يفتح البس على غيره، ويشوه الصورة التي يجب أن يكون عليها القدوة.
- تدخين النساء: يضاف إلى حرمة التدخين بالنسبة للمرأة أنه يخل بما يجب أن تكون عليه من الحفاظ على جمالها ونضارتها، ويسهم في تشويه الأسنان وتغير رائحة الفم، وهو ما يتنافى مع فطرة الأنثى.
حكم بيع الدخان وتصنيعه والعمل فيه:
بما أن التدخين محرم شرعاً لما فيه من ضرر وإسراف وإيذاء، فإن حكم بيعه وتصنيعه والعمل في مصانعه أو محلات بيعه هو التحريم أيضاً.
ذلك لأن هذه الأفعال كلها تندرج تحت بند الإعانة على الإثم والعدوان، والله تبارك وتعالى يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2].
فتاوى معاصرة قاطعة بالحرمة:
وقد أكدت الفتاوى المعاصرة هذا الحكم بشكل قطعي:
- فتوى دار الإفتاء المصرية: أصدرت فتوى بالحرمة القطعية للتدخين في عام 1420 هـ، مستدلة بالآيات التي تنهى عن قتل النفس والإلقاء بها إلى التهلكة، وبما أثبته العلم من أضرار قطعية للتبغ.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين: أكد أن شرب الدخان وبيعه وشراؤه وتأجير المحلات لمن يبيعه محرم، مستدلاً بتحريم التعاون على الإثم والعدوان، وكذلك بتحريم إيتاء السفهاء أموالنا، لأن صرف المال في الدخان ليس من مصالح الدين ولا الدنيا.
- فتوى الشيخ يوسف القرضاوي: أوضح أن الخلاف الفقهي السابق حول التدخين لم يكن خلافاً في الأدلة، بل كان خلافاً في ثبوت الضرر الطبي من عدمه. وبما أن الطب قد أثبت الضرر بشكل قاطع، فإن الخلاف يرتفع ليصبح الحكم بالإجماع هو الحرمة، تطبيقاً للقاعدة الفقهية المتفق عليها: ما ثبت ضرره ثبتت حرمته.