حماية الجنين وحياة الأم: التوازن المفقود في قضايا الإجهاض الجنائي / الجرمي والآليات القانونية للرقابة الطبية

الإجهاض الجنائي أو الجرمي:

يعتبر الإجهاض الجنائي أو الجرمي (Criminal Abortion) من القضايا الشائكة التي تتقاطع فيها الأبعاد القانونية، والطبية، والأخلاقية. ويُعرف قانوناً بأنه الإنهاء العمدي للحمل دون مبرر طبي مشروع وبالمخالفة للنصوص القانونية القائمة في الدولة.

فيما يلي عرض مفصل وشامل لهذا الموضوع:

أولاً: الأركان القانونية للإجهاض الجرمي

لكي تُكيف الواقعة على أنها جريمة إجهاض، لا بد من توافر أركان أساسية:

  1. الركن المادي: يتمثل في فعل الإجهاض نفسه، أي استخدام أي وسيلة (سواء كانت ميكانيكية، كيميائية، أو دوائية) تؤدي إلى موت الجنين أو إخراجه من الرحم قبل أوانه.
  2. الركن المعنوي (القصد الجنائي): يجب أن تتوفر لدى الجاني النية الجرمية، أي العلم بأن المرأة حامل وتوجيه الإرادة نحو إنهاء هذا الحمل.
  3. محل الجريمة: وجود جنين حي في رحم امرأة. وتجدر الإشارة إلى أن بعض القوانين تعاقب على "الشروع" حتى لو تبين لاحقاً أن المرأة لم تكن حاملاً، طالما توافرت النية والوسيلة.

ثانياً: الوسائل المستخدمة في الإجهاض الجرمي

تتنوع الوسائل التي يُلجأ إليها في الإجهاض غير القانوني، وغالباً ما تتسم بالخطورة نظراً لعدم توفر الرعاية الطبية المناسبة:

  • الوسائل الميكانيكية: مثل إدخال أدوات حادة أو قساطر داخل الرحم لتمزيق الأغشية الجنينية، مما يحفز انقباضات الرحم.
  • الوسائل الكيميائية والصيدلانية: استخدام عقاقير معينة بجرعات غير مدروسة، أو حقن مواد كيميائية مهيجة داخل الرحم، مما قد يسبب تسمماً للأم قبل الجنين.
  • الوسائل الفيزيائية والعنيفة: اللجوء إلى الضرب المبرح على منطقة البطن أو القيام بمجهود عضلي عنيف جداً بقصد إسقاط الجنين.


ثالثاً: المخاطر والمضاعفات الطبية (الطب الشرعي)

يعد الإجهاض الجرمي من الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات عالمياً، ومن أبرز مخاطره:

  1. النزيف الحاد: قد يحدث نتيجة تمزق في عنق الرحم أو ثقب في جدار الرحم بسبب الأدوات البدائية.
  2. التسمم الدموي (Sepsis): نتيجة استخدام أدوات غير معقمة، مما يؤدي إلى عدوى بكتيرية خطيرة قد تنتشر في الجسم وتؤدي للوفاة.
  3. الصدمة العصبية: قد تموت المرأة فوراً نتيجة تنبيه الأعصاب في عنق الرحم أثناء محاولة الإجهاض العنيفة.
  4. العقم الدائم: نتيجة الالتهابات الشديدة وتندب الأنسجة الرحمية.

رابعاً: الاستثناءات (الإجهاض العلاجي)

لا يعتبر الإجهاض "جرمياً" إذا تم لأسباب طبية قاهرة، وتختلف شروطه من قانون لآخر، لكنها تجتمع غالباً في:

  • إنقاذ حياة الأم من خطر محقق.
  • إذا ثبت طبياً وجود تشوهات جنينية خطيرة لا تتفق مع الحياة.
  • يجب أن يتم ذلك في مستشفى معتمد وبقرار من لجنة طبية متخصصة.


خامساً: المسؤولية الجنائية والعقوبة

تتدرج العقوبات في القوانين الجنائية بناءً على دور الشخص في الجريمة:

  • المرأة الحامل: تعاقب إذا رضيت بالإجهاض أو قامت به لنفسها.
  • الفاعل (المجهض): سواء كان طبيباً، صيدلانياً، أو شخصاً عادياً. وتشدد العقوبة عادة إذا كان الفاعل من ممارسي المهن الطبية لاستغلاله علمه في غير محله.
  • الظروف المشددة: تغلظ العقوبة إذا أدى الإجهاض إلى وفاة الأم، أو إذا تم الإجهاض دون رضا المرأة.


سادساً: التحديات المجتمعية والأخلاقية

تثير هذه القضية جدلاً واسعاً بين تيار "حق الاختيار" الذي يرى أن للمرأة سلطة على جسدها، وتيار "حق الحياة" الذي يرى في الجنين كائناً بشرياً يستحق الحماية القانونية منذ لحظة التكوين. ومن الناحية الاجتماعية، غالباً ما يرتبط الإجهاض الجرمي بالفقر، غياب الوعي، أو الخوف من الوصمة الاجتماعية في حالات الحمل خارج إطار الزواج.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال