التهاب الكلى الذئبي: فهم الآلية المرضية المعقدة لتكوّن المعقدات المناعية وتأثيرها المدمر على الكُبيبات الكلوية

التهاب الكلى الذئبي (Lupus Nephritis):

يُمثل التهاب الكلى الذئبي تحديًا سريريًا كبيرًا، وهو أحد أكثر المضاعفات خطورة التي تهدد حياة ووظائف مرضى الذئبة الحُمامية الجهازية (SLE). يحدث هذا الالتهاب نتيجة لآلية مرضية معقدة تنطوي على خلل في الجهاز المناعي، مما يؤدي إلى هجوم ذاتي على الأنسجة الكلوية الحيوية.

الآلية المرضية والجذور المناعية:

يكمن جوهر المشكلة في إنتاج الجسم للأجسام المضادة الذاتية، أبرزها الأجسام المضادة للدنا مزدوج الشريط (anti-dsDNA). تتحد هذه الأجسام المضادة مع المستضدات في الدم لتشكل معقدات مناعية (Immune Complexes). تقوم هذه المعقدات بالترسب داخل الشعيرات الدموية الدقيقة للكُبيبات الكلوية، مما يؤدي إلى:
  • تنشيط نظام المُتمم (Complement System): يتسبب ترسب المعقدات في تنشيط شلال المتمم، وهو جزء من الجهاز المناعي، مما يطلق مواد كيميائية وسيطة (مثل C3a و C5a) تجذب الخلايا الالتهابية.
  • الاستجابة الالتهابية: تتدفق خلايا الدم البيضاء، مثل العدلات والخلايا وحيدة النواة، إلى الكُبيبة استجابة للمنبهات الالتهابية. تطلق هذه الخلايا الإنزيمات والمواد المؤكسدة التي تسبب تلفًا مباشرًا لهياكل الكُبيبة.
  • التندب والتصلب (Sclerosis): مع استمرار عملية الالتهاب، تبدأ الكُبيبة في التندب والتليف، وهي عملية لا رجعة فيها تؤدي إلى فقدانها لوظيفة الترشيح.

التصنيف النسيجي وعلاقته بالمآل:

يتم تشخيص التهاب الكلى الذئبي وتصنيفه بشكل نهائي عبر خزعة الكلى (Kidney Biopsy)، وهو إجراء حاسم لتوجيه العلاج. تم وضع تصنيف دولي (منظمة صحة الكلى - ISN/RPS) يقسم الالتهاب إلى ست فئات رئيسية، كل منها يمثل درجة مختلفة من الشدة والآفة النسيجية:
  • الفئة الأولى والثانية (Minimal/Mesangial): آفة بسيطة أو متوسطة، غالبًا ما تكون ذات إنذار جيد، وتتميز بتكاثر الخلايا المساريقية (Mesangial Cells).
  • الفئة الثالثة والرابعة (Focal/Diffuse Proliferative): تمثل هذه الفئات التهابًا نشطًا وتقدميًا. الفئة الرابعة (المنتشرة) هي الأكثر شيوعًا وشدة وترتبط بأعلى مخاطر الوصول إلى الفشل الكلوي إذا لم يتم علاجها بقوة. تتميز بزيادة في عدد الخلايا داخل الكُبيبات وتكوين "أهلة" (Crescents) في الحالات الشديدة.
  • الفئة الخامسة (Membranous): تتميز بتراكم المعقدات المناعية على الجانب الخارجي لجدران الشعيرات الكُبيبية (تحت الظهارة)، وتؤدي غالبًا إلى متلازمة كلوية (Nephrotic Syndrome) شديدة.
  • الفئة السادسة (Advanced Sclerotic): تمثل مرحلة التندب المتقدم، حيث يصبح أكثر من $90\%$ من الكُبيبات متليفًا بشكل كامل، مما يشير إلى فشل كلوي مزمن لا يمكن عكسه غالبًا.

المظاهر السريرية المفصلة:

على الرغم من أن البروتينية وارتفاع ضغط الدم هما علامتان رئيسيتان، إلا أن هناك مظاهر أخرى يجب مراقبتها:

أ. التغيرات البولية (Urinary Abnormalities):

  • البيلة البروتينية (Proteinuria): كما ذُكر سابقًا، يمكن أن تتراوح من بضعة ملليجرامات (Proteinuria Mild) إلى فقدان أكثر من 3.5 جرام يوميًا (التي تُشخص على أنها المتلازمة الكلوية). فقدان البروتين يؤدي إلى انخفاض بروتين الدم وتراكم السوائل (الوذمة).
  • البيلة الدموية (Hematuria): وجود كريات الدم الحمراء في البول، والتي قد تكون مرئية بالعين المجردة (البيلة الدموية العيانية) أو يتم اكتشافها فقط تحت المجهر (البيلة الدموية المجهرية). وجود أسطوانات الكريات الحمراء (Red Blood Cell Casts) في عينة البول يشير بقوة إلى التهاب نشط داخل الكُبيبة.

ب. تدهور وظائف الكلى (Renal Function Decline):

  • يتم قياس وظيفة الكلى من خلال تحديد مستوى الكرياتينين (Creatinine) في الدم وتقدير معدل الترشيح الكُبيبي (Glomerular Filtration Rate - GFR).
  • في الالتهاب النشط، يرتفع الكرياتينين وينخفض معدل الترشيح الكُبيبي، مما يشير إلى ضعف حاد في قدرة الكلى على تصفية الفضلات. هذا التدهور قد يكون سريعًا (فشل كلوي حاد) أو تدريجيًا (فشل كلوي مزمن).

استراتيجيات العلاج الرئيسية:

يهدف العلاج إلى قمع الاستجابة المناعية وتخفيف الالتهاب لتجنب التلف النسيجي الدائم، ويشمل عادة مرحلتين:
  • العلاج التحريضي (Induction Therapy): وهي مرحلة مكثفة تستمر لعدة أشهر، وتهدف إلى السيطرة السريعة على الالتهاب النشط. الأدوية الشائعة تشمل:
  • الكورتيكوستيرويدات (Corticosteroids): بجرعات عالية (مثل الميثيل بريدنيزولون) للسيطرة السريعة على الالتهاب.
  • العوامل المثبطة للمناعة القوية (Immunosuppressants): مثل السيكلوفوسفاميد (Cyclophosphamide) أو مايكوفينولات موفيتيل (Mycophenolate Mofetil - MMF).
  • العلاج المحافظ (Maintenance Therapy): وهي مرحلة طويلة الأمد (قد تستمر لسنوات) تستخدم للحفاظ على الهدأة ومنع الانتكاس. يتم غالبًا استخدام جرعات أقل من الستيرويدات مع المايكوفينولات موفيتيل أو الآزاثيوبرين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال