التسمم بالأمونيا: من الأسمدة الزراعية إلى المنظفات المنزلية: دراسة في الأسباب، والفيزيولوجيا المرضية، والحدود الآمنة للتعرض

التسمم الأمونيومي:

يُعدّ التسمم الأمونيومي حالة خطيرة تنتج عن التعرض المفرط للأمونيا (NH3)، سواء في النباتات أو الكائنات الحية، بما في ذلك الإنسان. على الرغم من أن الأمونيا تُعتبر مركبًا طبيعيًا في العديد من العمليات الحيوية، إلا أن تجاوز مستوياتها المسموح بها يؤدي إلى أضرار جسيمة في مختلف الأنسجة والأنظمة الحيوية.

التسمم الأمونيومي في النباتات:

يحدث التسمم الأمونيومي في النباتات بشكل أساسي عندما يتم الإفراط في استخدام الأسمدة التي تحتوي على النيتروجين في صورة أمونيا (نشادر). تتراكم هذه الأيونات في التربة، مما يؤثر سلبًا على نمو النبات.

  • الأعراض: تشمل الأعراض الشائعة للتسمم الأمونيومي في النباتات اصفرار الأوراق، وتوقف النمو، وظهور بقع متحللة عليها.
  • تأثيرات خاصة: في بعض النباتات مثل الخيار، يؤدي التركيز العالي من الأمونيوم إلى انخفاض ملحوظ في إنبات البذور.

التعرض للأمونيا في جسم الإنسان:

الأمونيا غاز مهيج عديم اللون ذو رائحة نفاذة، يذوب بسهولة في الماء ليُكوّن أيونات الأمونيوم (NH4+). على الرغم من أن جسم الإنسان ينتج الأمونيا بشكل طبيعي كناتج ثانوي لعمليات الأيض، إلا أن مستويات معينة منها تصبح سامة. يتم التخلص من الأمونيا الطبيعية في الجسم بسرعة عن طريق الكبد، حيث تُحوَّل إلى يوريا أقل سمية، ثم تُفرز عبر الكلى.

يحدث التسمم بالأمونيا عندما تتجاوز مستوياتها في الدم قدرة الكبد على التخلص منها. هذا يمكن أن يكون بسبب:

  • الإفراط في الإنتاج الداخلي: مثل حالات فرط أمونيا الدم الخلقي.
  • قلة الإفراز: كما يحدث في حالات تليف الكبد.

لكن، التعرض الخارجي هو الأكثر شيوعًا. تحدث الإصابة من الأمونيا عادةً عبر:

  • الاستنشاق: استنشاق غاز الأمونيا اللامائية أو أبخرة الأمونيا السائلة.
  • الابتلاع: تناول السوائل التي تحتوي على الأمونيا (مثل المنظفات).
  • التلامس المباشر: ملامسة غاز الأمونيا أو سوائلها للجلد والعينين.

مصادر التعرض الرئيسية للأمونيا:

الأمونيا من أكثر المواد الكيميائية استخدامًا في الصناعة والزراعة، مما يجعل التعرض لها شائعًا، خاصةً في بيئات معينة.

  • المنشآت الصناعية: تحدث تسربات الغاز من مصانع الإنتاج، أو مرافق التخزين والنقل. العاملون في هذه الأماكن معرضون لخطر استنشاق الغاز أو تلامسه مع الجلد.
  • الزراعة: بعد استخدام الأسمدة الغنية بالأمونيا، قد ترتفع مستويات الغاز في الهواء، مما يعرّض المزارعين لخطر الاستنشاق.
  • المنظفات المنزلية: العديد من المنظفات المنزلية والصناعية تحتوي على الأمونيا بتركيزات تتراوح بين 5-25%. تُعد هذه المنظفات مصدرًا رئيسيًا للتعرض العرضي، خاصةً عند الأطفال، أو حتى للتعرض المتعمد عند البالغين.
  • الزراعة الحيوانية: تُنتج الأمونيا عن طريق تحلل السماد الطبيعي في حظائر الحيوانات، مما يعرّض العاملين فيها لخطر الاستنشاق.

الآلية الفسيولوجية للتسمم (الفيزيولوجيا المرضية):

تُعدّ الأمونيا اللامائية شديدة التفاعل مع الماء. عندما تتلامس مع الأنسجة الرطبة في جسم الإنسان (مثل العين، الجهاز التنفسي، أو الجلد)، تتفاعل مع الماء الموجود فيها في عملية شديدة الحرارة (طاردة للحرارة).

  • حروق حرارية وكيميائية: هذا التفاعل يُسبب حروقًا حرارية كبيرة للأنسجة. كما أن المحلول القلوي الناتج عن التفاعل يسبب نوعًا من الضرر يُعرف بـ "نخر التسييل" (liquefaction necrosis)، الذي يذيب البروتينات والدهون في الأنسجة، مما يؤدي إلى تدميرها.
  • تأثيرات الجهاز التنفسي: يؤدي استنشاق الأمونيا إلى تلف الطبقات السطحية للجهاز التنفسي، مما يجعل المريض عرضة للعدوى. التلف العميق في الطبقة القاعدية يمكن أن يسبب تندّباً غير قابل للعلاج، مما يؤدي إلى أمراض رئوية مزمنة.
  • تأثيرات الجهاز الهضمي: ابتلاع الأمونيا يسبب حروقًا شديدة على طول القناة الهضمية وقد يؤدي إلى ثقب في الأعضاء المجوفة.


علم السموم الحركي ومستويات التعرض:

تتميز الأمونيا بقدرتها على التحذير من وجودها. يمكن للإنسان أن يشم رائحتها النفاذة حتى في تركيزات منخفضة تصل إلى 5 أجزاء في المليون (ppm)، مما يجعل التعرض الكبير غير المقصود نادرًا.

  • مستويات الخطورة:

  1. 100 جزء في المليون: يمكن تحملها لمدة ساعات.
  2. 1700 جزء في المليون: تسبب السعال وتشنج الحنجرة ووذمة منطقة المزمار.
  3. 2500 - 4500 جزء في المليون: قد تكون قاتلة.
  4. 5000 جزء في المليون: تؤدي إلى توقف التنفس السريع.

  • الحدود المهنية المسموح بها:

  1. متوسط 8 ساعات: 25 جزء في المليون.
  2. حد التعرض قصير الأمد (15 دقيقة): 35 جزء في المليون.
  3. التركيز الخطر على الحياة والصحة (IDLH): 500 جزء في المليون.

على الرغم من أن الاستنشاق قد يؤدي إلى بعض الامتصاص الجهازي، إلا أن معظم الأمونيا تذوب في مخاط الجهاز التنفسي ويتم إخراجها في هواء الزفير. في حالة الابتلاع، يمتص الجسم الأمونيا بسهولة، ولكن الكبد عادةً ما يحولها بسرعة إلى يوريا، مما يمنع حدوث تسمم جهازي كبير.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال