الفسيولوجيا المرضية للزكام: كيف تهاجم الفيروسات الغشاء المخاطي للأنف؟ وما هي خارطة الطريق الصحيحة للتعافي والوقاية من المضاعفات؟

الزكام: طبيعته، تطوره، وسبل العلاج

يُعد الزكام (أو الرشح) من أكثر الأمراض الفيروسية شيوعاً، وهو التهاب حاد يصيب الجهاز التنفسي العلوي. وعلى الرغم من بساطته، إلا أنه نتاج صراع معقد بين الجهاز المناعي ومجموعة واسعة من الفيروسات المجهرية.


أولاً: المسببات الفيروسية للزكام

لا يحدث الزكام بسبب فيروس واحد، بل تقف وراءه عائلات فيروسية متعددة تختلف في شدتها وطريقة مهاجمتها للخلايا، ومن أبرزها:

  • الفيروسات الأنفية (Rhinoviruses): وهي المسؤول الأول عن أغلب حالات الزكام، وتنشط بشكل خاص في فصلي الخريف والربيع.
  • الفيروسات الغدية (Adenoviruses): تمتاز بقدرتها على إصابة الأغشية المخاطية، وقد تؤدي أحياناً إلى التهابات في الحلق أو العين إلى جانب أعراض الرشح.
  • فيروسات نظيرة الإنفلونزا (Parainfluenza viruses): وهي فيروسات تسبب أعراضاً مشابهة للإنفلونزا لكنها أقل حدة، وغالباً ما تستهدف المسالك التنفسية العلوية.


ثانياً: آلية تطور المرض (التفسير الفسيولوجي)

تبدأ رحلة المرض عند دخول الفيروس إلى الأنف، حيث تبدأ سلسلة من التفاعلات الحيوية:

  1. مرحلة الاحتقان: يهاجم الفيروس الغشاء المخاطي المبطن للأنف، مما يؤدي إلى تمدد الأوعية الدموية وتورم الأنسجة، وهو ما نشعر به كاحتقان وانسداد.
  2. فرط الإفراز المخاطي: كاستجابة دفاعية، تزداد وتيرة عمل الغدد المخاطية لإنتاج سائل شفاف يهدف إلى "غسل" الفيروسات وطردها خارج الجسم.
  3. العدوى الثانوية (التحول الصديدي): إن تراكم المخاط وركوده يوفر بيئة مثالية لنمو الجراثيم (البكتيريا) الموجودة طبيعياً في الأنف. عندما تبدأ هذه الجراثيم بالتكاثر، يتغير لون وقوام الإفرازات لتصبح سميكة وذات طابع صديدي (قيحي)، مما يشير إلى تدخل بكتيري ثانوي فوق الإصابة الفيروسية الأصلية.

ثالثاً: الإجراءات العلاجية والوقائية

بما أن الزكام مرض فيروسي، فإن العلاج يعتمد بشكل أساسي على دعم الجسم لتجاوز العدوى وتخفيف الأعراض:

  • الراحة البدنية القصوى: تعتبر الراحة حجر الزاوية في العلاج؛ حيث تتيح للجسم توجيه طاقته بالكامل نحو الجهاز المناعي لمحاربة الفيروس، كما تساعد في تقليل فترة الإصابة.
  • الإرواء وترطيب الجسم: يجب الحرص على شرب كميات وافرة من السوائل (خاصة الماء والعصائر الطبيعية). هذا الإجراء لا يحمي الجسم من الجفاف فحسب، بل يساعد أيضاً في الحفاظ على سيولة المخاط وسهولة التخلص منه، ومنع جفاف الأغشية المخاطية المتهيكة.
  • التدخل الدوائي بحذر:

  1. للبالغين: يمكن استخدام المسكنات ومخفضات الحرارة مثل (الأسبرين، الأسيتامينوفين "باراسيتامول"، والإيبوبروفين) للسيطرة على الصداع وآلام الجسم المصاحبة للزكام.
  2. للأطفال (أقل من 16 عاماً): يُمنع منعاً باتاً إعطاء الأطفال هذه الأدوية (وخاصة الأسبرين) دون استشارة طبية دقيقة؛ وذلك لتجنب مخاطر صحية نادرة ولكنها خطيرة مثل "متلازمة راي" التي قد تؤدي إلى مضاعفات في الكبد والدماغ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال